الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

135

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقد ورد هنا الإشكال العام الناشئ عن التعارض بين أدلة جريان كل شيء على ما هو سابق في علم اللّه في الأزل ، وبين إضافة الأشياء إلى أسباب وطلب اكتساب المرغوب من تلك الأسباب واجتناب المكروه منها فكيف يثبت في هذه الآية للأعمار زيادة ونقص مع كونها في كتاب وعلم لا يقبل التغيير ، وكيف يرغّب في الصدقة مثلا بأنها تزيد في العمر ، وأن صلة الرحم تزيد في العمر . والمخلص من هذا ونحوه هو القاعدة الأصلية الفارقة بين كون الشيء معلوما للّه تعالى وبين كونه مرادا ، فإن العلم يتعلق بالأشياء الموجودة والمعدومة . والإرادة تتعلق بإيجاد الأشياء على وفق العلم بأنها توجد ، فالناس مخاطبون بالسعي لما تتعلق به الإرادة فإذا تعلقت الإرادة بالشيء علمنا أن اللّه علم وقوعه ، وما تصرفات الناس ومساعيهم إلّا أمارات على ما علمه اللّه لهم ، فصدقة المتصدق أمارة على أن اللّه علم تعميره ، واللّه تعالى يظهر معلوماته في مظاهر تكريم أو تحقير ليتم النظام الذي أسس اللّه عليه هذا العالم ويلتئم جميع ما أراده اللّه من هذا التكوين على وجوه لا يخلّ بعضها ببعض وكل ذلك مقتضى الحكمة العالية . ولا مخلص من هذا الإشكال إلّا هذا الجواب وجميع ما سواه وإن أقنع ابتداء فمآله إلى حيث ابتدأ الإشكال . [ 12 ] [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 12 ] وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 12 ) انتقال من الاستدلال بالأحوال في الأجواء بين السماء والأرض على تفرد اللّه تعالى بالإلهية إلى الاستدلال بما على الأرض من بحار وأنهار وما في صفاتها من دلالة زائدة على دلالة وجود أعيانها ، على عظيم مخلوقات اللّه تعالى ، فصيغ هذا الاستدلال على أسلوب بديع إذ اقتصر فيه على التنبيه على الحكمة الربانية في المخلوقات وهي ناموس تمايزها بخصائص مختلفة واتحاد أنواعها في خصائص متماثلة استدلالا على دقيق صنع اللّه تعالى كقوله : تسقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [ الرعد : 4 ] ويتضمن ذلك الاستدلال بخلق البحرين أنفسهما لأن ذكر اختلاف مذاقهما يستلزم تذكر تكوينهما . فالتقدير : وخلق البحرين العذب والأجاج على صورة واحدة وخالف بين أعراضهما ، ففي الكلام إيجاز حذف ، وإنما قدم من هذا الكلام تفاوت البحرين في المذاق واقتصر عليه